ابن عجيبة
462
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ أي : يرخين على وجوههنّ من جلابيبهن فيغطين بها وجوههن . والجلباب : كل ما يستر الكل ، مثل الملحفة ، والمعنى : قل للحرائر يرخين أرديتهن وملاحفهن ويغطين بها وجوههن ورؤوسهن ، ليعلم أنهن حرائر فلا يؤذين . و ذلِكَ أَدْنى أي : أقرب وأجدر ، أَنْ يُعْرَفْنَ من الإماء فَلا يُؤْذَيْنَ ، وذلك أن النساء في أول الإسلام كن على زيهنّ في الجاهلية متبدّلات ، تبرز المرأة في درج وخمار ، لا فصل بين الحرّة والأمة . وكان الفتيان يتعرّضون للإماء ، إذا خرجن بالليل لقضاء حاجتهنّ في النخيل والغيضات « 1 » ، وكن يخرجن مختلطات مع الحرائر ، فربما تعرضوا للحرّة ، يحسبونها أمة ، فأمرن أن يخالفن بزيهنّ عن زي الإماء بلباس الجلابيب ، وستر الرؤوس والوجوه ، فلا يطمع فيهنّ طامع . قال ابن عباس رضي اللّه عنه : أمر اللّه تعالى نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب ، ويبدين عينا واحدة . قلت : وقد مرّ في سورة النور « 2 » أن الوجه والكفين ليس بعورة ، إلا لخوف الفتنة ، وأما الإماء فلا تسترن شيئا إلا ما بين السرة والركبة ، كالرجل . قال أنس : مرت جارية متقنعة بعمر بن الخطاب فعلاها بالدرة ، وقال : يا لكاع أنت تشبهين بالحرائر ، فألق القناع . وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما سلف منهن من التفريط ، رَحِيماً بتعليمهن آداب المكارم . الإشارة : ينبغي لنساء الخواص أن يتميزن من نساء العامة ؛ بزيادة الصّون والتحفظ ، وقلة الخروج ، فإذا لزمهنّ الخروج ، فليخرجن في لباس خشين ، بحيث لا يعرفن ، أو يخرجن ليلا . وثبت أن زوجة الشيخ أبى الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه لم تخرج من دارها إلا خرجتن ؛ خرجة حين زفت إلى زوجها ، وخرجة إلى المقابر . نفعنا اللّه ببركاتهم . آمين . ثم هدد المنافقين ، حيث كانوا [ يؤذوان ] « 3 » رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ، فقال : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 60 إلى 62 ] لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلاً ( 60 ) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً ( 61 ) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ( 62 )
--> ( 1 ) الغيضة : هي الشجر الملتف ، وجمعه : غياض وغيضات . انظر اللسان ( غيض 5 / 3327 ) . ( 2 ) راجع تفسير الآية 31 من سورة النور . ( 3 ) في الأصول الخطية [ يؤذوا ] . .